البغوي

9

شرح السنة

وَفِيه من الْفِقْه مُرَاعَاة الْكَفَاءَة فِي المناكح ، وَأَن الدَّين أولى مَا اعْتبر مِنْهَا . وَاخْتلف العلماءُ فِي تَحْدِيد الْكَفَاءَة ، فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنَّهَا بأَرْبعَة أَشْيَاء : الدَّين ، وَالْحريَّة ، وَالنّسب ، والصنعة ، وَالْمرَاد بِالدّينِ : الْإِسْلَام وَالْعَدَالَة ، فَلَا يكون الْفَاسِق كفءًا للعفيفة ، كَمَا لَا يكون الْكَافِر كفءًا للمسلمة ، وَلَا العَبْد للْحرَّة ، وَلَا الْمُعْتق للْحرَّة الْأَصْلِيَّة ، وَلَا دنيء الحرفة لمن فَوْقه . وَمِنْهُم من اعْتبر فِيهَا السَّلامَة من الْعُيُوب : وَهِي الْجُنُون ، والجذام ، والبرص ، والجَبّ ، وَإِن كَانَ فِي الرجل أحدُ هَذِه الْعُيُوب ، فَلَا يكون كفءًا للْمَرْأَة البريئة مِنْهَا ، وَمِنْهُم من يعْتَبر الْيَسَار أَيْضا ، فَيكون جِمَاعهَا سِتّ خِصَال . فَإِذا زُوِّجت امْرَأَة دون رِضَاهَا مِمَّن لَا يكون كفءًا لَهَا ، لَا يَصح النِّكَاح ، سَوَاء كَانَ المزوج أَبَا أَو غيرهُ ، وَسَوَاء كَانَت الْمَرْأَة بَالِغَة أَو صَغِيرَة ، وَإِن زَوجهَا وليُّها بِرِضَاهَا ، صَحَّ النِّكَاح إِلا أَن تزوج مُسلمةٌ من كَافِر ، فَلَا يَصح بِحَال . أما الرجل إِذا نكح امْرَأَة دونه فِي الْكَفَاءَة ، فَيصح ، وَإِن كَانَ صَغِيرا ، فَقبل لَهُ الْأَب نِكَاح أمة ، لَا يَصح ، وَكَذَلِكَ لَو قبل لَهُ نِكَاح مَعِيبَة بجنون ، أَو جُذام ، أَو برص ، أَو رَتَق ، لَا يَصح ، وَإِن قبل لَهُ نِكَاح كِتَابِيَّة ، أَو دَنيئة فِي النّسَب ، فقد اخْتلف فِيهِ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ . وَذهب مَالِك إِلَى أَن الْكَفَاءَة فِي الدَّين وَحده ، وأهلُ الْإِسْلَام كلهم بَعضهم أكفاء لبَعض ، ويُروى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ ، وعُبيد بْن عُمَيْر ، وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ، وَابْن عون ، وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان ، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : الْكَفَاءَة فِي الدَّين وَالنّسب ، وَكَانَ يَقُول : إِذا نكح المَولى عَرَبِيَّة يفرّق بَينهمَا ، وَهُوَ قَول أَحْمَد ، ويُروى عَنِ ابْن عَبَّاس ، وسَلمان ، أَن المَولى لَا يكون